السبت، 27 يناير 2018

*بقلم / :*خالد سليمان ......دفء القلوب يقهر برد الشتاء :


دفء القلوب يقهر برد الشتاء :
**************************************************
دفء القلوب نعمة منّ الله بها على قلوب ، وحرمت قلوب نفسها منها ، تسع عشرة دقيقة عشتها ، حفرت في حياتي عينا من المشاعر الجميلة ، 
وجعلتني أقول لكم : ابحثوا عن قلوبكم واسألوها هل تتأثّر بمن حولها ؟ هل تعيش في مشاعر غيرها ؟ هل تحزن وتتألّم لألم الناس ؟ فإن قالت لكم قلوبكم : نعم ، فأنتم أحياء ، وإن لم تجب ؛ فاعلموا أنها ميتة وأنّكم ميّتون ، ينقصكم فقط أن يواريكم التراب ، 
فالموت لا يأتي مرة واحدة كما نظنّ ، الموت يطرق أبواب حياتنا كلّ لحظة ، ومن أثبت حيويته من خلال فاعلية إيجابية لرضا الله ؛ فهو حيّ ينبض ، وذو إحساس حيّ يتعاطف ويشعر ويهتمّ بأمر الناس ، وصاحبه ذو قلب نابض يفرح وقت الفرح ويحزن وقت حزن الناس ، فهذا صاحب قلب ذي بوصلة جيّدة تحدد الاتّجاهات بدقّة ، وهو ذو عين قارئة ذكيّة للواقع وآه من أصحاب العيون الغبيّة الميّتة ، مهما تلونت وتكحّلت فصاحبها ضرير ضرير .
في الصباح كنت عائدا من عملي وسط موجات برد ومطر شديدين ، أسير وحدي كما تعوّدت منذ سنوات ثمان ، كلّ الناس في اتّجاه العودة وأنا المخالف للاتّجاه ، ووسط برد شديد مصحوب بزخّات من الغيث ، حاولت الاحتماء بشجرة أو بيت ، فلم أستطع ؛ فاحتضنت حقيبتي البنيّة ، وخبّأتها في صدري ومضيت في طريقي وحدي ، 
وازدادت حدة الغيث ، فاستوقف ناظريّ بيت في منتصف الأرض الزراعية ، وصاحبه يحاول أن يضع مانعا جلديّا أزرق ليحميه من شلالات المياه ، ولكن قوة الرياح تمنعه ، وبعد جهد كبير تمكّن وسط صراخ الأطفال من داخل البيت ، وبعد عودته بنجاح من مهمته القتاليّة ، لمحني وأدرك ما بي ، فنادى عليّ نداءات متكررة حتى أنني ظننته يستغيث بي ، وعندما اقتربت منه وجدت ملامح مبتسمة ترحّب بي ، فقد فرش لي سجادة حبّ وتكريم من مفرداته التلقائيّة البسيطة ، 
سلّمت عليه ولم أشعر بدفء يديه من أطرافي التي تجمّدت ، ودعاني للدخول وسط دفء واجهني ليؤنس ملامحي ، ووقفت حائرا فكلّ الاتجاهات تؤدي إلى غرف مفتوحة بها أثاث محطّم ، وملابس موزّعة توزيعا رديئا ، واستحييت من التقدم خطوة واحدة ؛ ليسافر في أعماقي عبير لا يقاوم ، إنه البطاطا المشوية التي أعشقها في مثل هذا الوقت ، 
وغاب عن وجهي ليفرش لي الأرض ببطانية قديمة ، وأقسم أن أقعد ، فقعدت ؛ لترى عيناي أطفالا في زاوية الغرفة ، عرفتهم من أعينهم الستّ المتجاورة ، بالإضافة إلى أخت صغيرة في الرابعة عيّنت نفسها أمّا مؤقّتة لتغطي أطراف أخواتها ، وتتأكّد من وصول أطراف الغطاء على رأس أخيها الصغير ، 
كانت ملامحهم مبتسمة فرحة بي ، هكذا فهمت ، وما لبثت الأمّ الحنون بحجابها الرائع أن رحّبت بي ، وهي تحمل موقدا به جمرات من النار ، ابتسم احمرارها عندما رآني وكنت أراني سعيدا سعيدا ، فالجمر عندي أجمل فاكهة شتويّة ، 
وجاء صاحبنا ليجلس أطفاله حول الموقد متأكدا أنّ كل واحد أخذ نصيبه الكافي من الدفء ، ومحذرا من وضع الأجسام البلاستيكية وبقايا الأقلام ، على النار توقيرا للضيف الكريم ، وقال لزوجته : جهزي لنا الغداء ، فاعترضت بشدة وسط إلحاحهما الشديد الذي كدت أن أرضخ له ، لولا أنني قلت : سأطلب طلبا ، ولا تردّاني فقالا : تفضّل ، فقلت : أمّا الغداء فلا ، أمّا البطاطا المشوية ، فألف نعم ، فقال : وهل الغداء يصلح بها ؟ ، ووسط إلحاحي غلبتهما ، وها هو يأتي بقدر البطاطا كلّه ، والأطفال كل يحمل طبقه منتظرا توزيع حصته من البطاطا الباسمة ، وجاء لي بغطاء القدر الذي ظننته لوحة بالأبيض والأسود رغم لمعانه ونظافته ، وطلبت منه ملعقة ، فقال : وهل تؤكل البطاطا بالملعقة ؟ أم أنّك خائف من البرد ؟ وضحك كما ضحكت من تعبيراته ، وبالفعل تناولت وجبة حبّ رائعة يحتاجها قلبي منذ زمن ، كنت مشتاقا لفواكه التقدير والتبجيل ، وكلمات الحبّ الصادقة .
كانت كلماتهم سيمفونيّة تعشقها لحظاتي وأيّامي في عالم فقدت فيه ورد التقدير وحروف الحبّ ، وأمرته أن يجلس بعد أن أحضر قدر الشاي العجيب ، ووضع الماء فيه ، وظلّت عيوني تسجّل مفردات طريفة ربّما لم أعشها ، ولكن بيني وبينها عشق خاص ، حكى لي عن أرض الكرنب التي زرعها ، وكل يوم يصلّي الفجر ، ويضع خمسين كرنبة على عربته التي يقودها حصانه الأبيض الذي وضع عليه كيسا من الخيش ليشعره بالدفء ، ثمّ يذهب ويبيعها ، ومعه سجل اطّلعت على حسابات المشترين لكرنبه والمدمنين له ، 
كان صاحبنا عطوفا عليّ ، شعرت فجأة أنّه في حنان أبي ، وخاصة عندما صنع لي كأسا من الشاي لا أحلى ولا أجمل ، رجوت ألا ينتهي من جماله ، وجاء وقت الرحيل ولا زال الغيث يمطر مطرا خفيفا ، وأمام إصراري على الرحيل تحيّر ، ماذا يفعل لي ؟ 
واصطفّ الجميع ؛ ليودّعني ، وما إن خرجت ؛ حتى ندمت على الخروج من غزارة الغيث الذي واجهني ، ومع خطوات معدودة لمحت نباتات تبتسم لي ، وأخرى تلوح لي بذراعيها ، بل وهناك صفصافات تفتح صدرها لي ، وهي تسبح في بحيرات الخضرة التي تستعرض أناقتها ، ونظرت للخلف ؛ لأجده على الباب مازال واقفا مع أطفاله الذين ينسلّ أحدهم من بين أقدامه ، ليشير لي ، وهو يمنعهم من الخروج مخافة أنياب البرد ، ولوّح لي بيديه حبّا وإشفاقا وبادلته التحيّة .
وسرت خطوات دمعت فيها عيناي على قلوب واعدة جميلة ، لا كهرباء ولا ماء ، وشتاء قارس قاس ، ولكنّ دفء القلوب نابض متّقد ، حتى الأطفال يشفقون على بعضهم ، بينما أطفالنا تفترسهم الأنوية) الأنانية) ؛ لأننا فقدنا دفء القلوب ، ولا عجب أنّ يموت لدى بعضنا الإحساس بالآخرين ؛ ليعلو إحساسه بنفسه ، وبعضنا يموت لديه الذوق ؛ لتعلو لديه البلادة ، وبعضنا يموت لديه التقدير والتعبير ؛ ليعلو لديه الإهمال ، فنحن لا نموت مرة واحدة : تموت منّا أجزاء وأحاسيس ومشاعر ، ويأتي الموت الكبير ؛ ليجد كيانا لا إحساس لديه ولا ذوق ولا تقدير ولا تعبير ؛ فيأتي ملك الموت ليعلن اختفاء المتبلّد وعديم الإحساس ، ويختفي هذا الكيان لنكتشف فجأة أنه بموته لا يساوي صفرا ، وأنه في حياته لا يساوي صفرا ، وما أكثر الأصفار المحيطة بي !
حتى كدت أخشى على نفسي أن أكون صفرا بينهم ، وأنا أزعم أنني غيرهم ، الله ارزقنا دفء القلوب لنعيش ، ولا تجعلنا أصفارا أبدا في الحياة ولا في الممات .
*بقلم / :*خالد سليمان 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق